أخبارمقالات

*بيت قُرجي*

 

عفواً عزيزي القارئ فحكايتنا اليوم اكثر ارتباطاً باهلي في العيلفون وربما من عاشروهم في غربتهم الطويلة (الممتازة) وبما ان معظم اهل السودان قد اخذتهم الغربة لسنوات ممتدة ربما تجد نفسك عزيزي القارئ بين سطور الحكاية رغم خصوصيتها بذكريات مجموعة معينة الا ان اهل السودان عموماً تتشابه عندهم كل التفاصيل

الاماكن لها عشق وهوي وذكري في النفوس البشرية ربما لاندري سرها لكنه موجود نحسه ونعبر عنه وما ادل علي ذلك من وقوف الشعراء علي الاطلال – وللغربة شجن ما ان يختلط بذلك الهوي الا ويفعل الافاعيل بصاحبه

اما تلك الاماكن ان كانت بيوتاً فذلك يعني انها سكن وراحة وانس وحياة كاملة وتلك البيوت ان كانت في ارض غربة هنا يختلف الامر فهي (مؤقتة ) لكنها تظل عالقة بذاكرة الانسان طول حياته خصوصاً بيوت (العزابة) وهذه هي البيوت التي نتطرق لها اليوم

اهل السودان في الغربة يختلفون عن غيرهم فهم دائما الاكثر ترابطاً وتالفاً ويحبون السكن في جماعات قد يضيق بها المكان لو كان لغيرهم – (هذا كان اعتقاد سابق الا اننا عندما اغتربنا عرفنا ان بعض الشعوب الاسيوية لها ذات التقليد وبصورة اكبر واكثر اقتصادية)

اضغط هنا للإنضمام لمجموعات رام نيوز على الواتس اب

 

والامكنة تكتسب سعتها وبراحها من نفوس قاطنيها – واهلنا في العيلفون اكثر تماسكاً وفي الغربة يزداد ترابطهم عشرات الاضعاف وما ادل علي ذلك من تلك الحكايات والبيوت التي سمعنا عنها كثيرا ولم نراها – وانتقلت الينا قصصها ونوادرها وتوارثها اجيال وتناقلوها وكانهم عاشوا ايامها – تاتينا القصص والنوادر من العراق ومن ليبيا ومن السعودية ومن الامارات ومن مصر ومن تشاد من الهند ورومانيا وروسيا وغيرها – فسمعنا عن( بعقوبة) و(الباب الشرقي) عندما يحكي (علي القزا) عن (صلاح بشارة) حكايات انس ومحبة وعرفنا بيت (الديرة) وحواري (منفوحة) و(غبيرة) بالمملكة قبل ان نراها و سمعنا نوادر (عثمان الاطرش) و(حمد السيد) وغيرهم الي عهد( زرقان) وكذلك (بيت العزابة) في ابوظبي وشئ من قفشاتهم ومواقفهم الكثيرة

ومع تلك القصص تاتي المفردات فعرفنا (الرقاق) و(الكوجينة) من الاخوان (مهند واللاقيدو) وصحبهم في جامعة الفاتح بطرابلس وادركنا ان (الرقاق) ليس ذلك الخبز الرمضاني الرقيق المستخدم غالباً في وجبة السحور و فهمنا ان اللهجات تختلف والالسن العربية كثيرة

 

وصلتنا الحكايات وعبق المكان وارواح قاطنيه قبل ان نعيش نفس التجربة التي عشناها بعد عشرات السنوات وربما في نفس المكان كما في الرياض مثلا فبيوت (العزابة) تتوارثها الاجيال – واجمل ما في تلك البيوت انها تزيح كثير من الحواجز بين الاجيال المختلفة فقد تجد في البيت الواحد اربعة (اجيال ) يتقاسمون الماكل والمشرب والراحة والسكينة – لم اعرف ان الراحة (تقبل القسمة علي اربعة)الا في (بيوت العزابة)

اجيال تتعاقب واجيال تظل واخري ترحل عن الدنيا والحب والانتماء باق هاهو زرقان يساكن ابراهيم صباحي الذي اغترب ربما قبل ولادة زرقان والشاعر مع امير طلب و ود عجيب وعجيب امر اهل السودان ليتهم جعلوا مكان اغترابهم اوطاناً واستقروا لكن ماذا نقول لقوانين التجنس وقلوب اهل السودان و و(جدانهم المضطرب)

 

الا ان *(بيت قُرجي)* يظل الاشهر عندنا في العيلفون لانه جاء مع بداية الاغتراب لاهلنا بكثافة بداية السبعينات وهو يحمل ذكريات عمنا( ابو الكل) وصحبه الكرماء والكثير من شباب العيلفون في تلك الايام – سمعت هذا الاسم اول ما سمعت به في سبعينيات القرن المنصرم وهي فترة شهدت هجرة كبيرة من ابناء العيلفون الي (الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمي) علي تلك الايام – رحم الله (قذافيها) وعندما طرق الاسم اذني فسرته علي طريقة احد الاعمام الذي كان يسمع كثيرا ما يتحدث الناس عن الحكومة (وهو لايعرف ما هي الحكومة) فقال بعد السنوات الستة عشر (والله الحكومة دي انا زمان كنت ظانيها خادماً ماكنة مصنقرة ليها فوق بنبر وتنتر في الناس نتر جد) وعلي نفس النهج (كنت قايل قُرجي دا حلبي مااااكن قام بتاجير منزله للقادمين الجدد ) الي ان اكتشفت فيما بعد ان (قُرجي) هو حي من الاحياء في مدينة طرابلس رد الله غربتها – واعاد لها الحياة و الاحياء- للاسف اني لا اعرف الكثير عن( بيت قرجي) ومن قطنوه ومن توارثوه – لكنه ملأ الدنيا وشغل اهلنا في العيلفون وحكاياته شغلت اسماعنا ونحن اطفال وعلق بالاذهان ماعلق وذهب ما ذهب مع كدر الحياة ومشاغل الدنيا وربما مُحي حي (قرجي) نفسه من الوجود تماماً.. اتمني ان يتم التوثيق لهذه الحياة عبر من عاشوها وعايشوها في تلك الاماكن والبيوت التي لا شك كان لها تاثير بشكل او اخر في حياتنا تحتاج ان نقف علي اطلالها – والاخوة بالرياض وجدة والجماهيرية والمملكة والامارات يعرفون الكثير عن تلك البيوت وربما لهم فيها ذكريات ن – كما ان هناك من سكن (بيت قرجي) ومن ثم بيوت المملكة وغيرها الا ان الامر الغريب والذي يحتاج للتوقف عنده لم نعد نسمع الان حكايات مشابهة خصوصاً بعد الانفتاح الهائل علي العالم… اوربا… وامريكا.. وغيرها فلم نعد نسمع ان هناك (بيت مانشستر) او (حوش برلين) او حتي حانة (مسز هافيشام) او( دكان امستردام) فقد شهدت العيلفون هجرة كبيرة الي هولندا ومنها الي بقية اوربا افتتحها بالصدفة الصديقين (امير الجيلان وكمال مضوي) اللذين كانا في طريقهما الي انجلترا….. بعد نهاية اغترابي حاولت الهجرة الي احد الدول التي لم يقطنها قبلي واحد من اهلي بالعيلفون لعلي افتح لهم باباً ووقع اختياري علي الارض البعيدة( نيو زيلندا) وخطوت خطوات لكني تعثرت فلينتبه شبابنا الي تلك البلاد التي ما زالت بكراً فقد اضحت بلادنا طاردة

وفي الختام لا يفوتنا ان نترحم علي من قطنوا تلك الاماكن وهم اموات الان والصحة والعافية لمن هم علي قيد الحياة وتظل دعوتي ان *(عمروا الارض لو لا سعيكم امست يباباً)*

سلام

محمد طلب

اضغط هنا للإنضمام لمجموعات رام نيوز على الواتس اب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى