ثقافة و منوعات

ضاع الشموخ فرحلت الشلوخ

 

ما زالت حرب السودان (العبثية) تورثنا كل يوم حزن علي احزاننا المتراكمة وتنكأ جراح الشموخ الذي فارقناه يوم ان خرجنا من ديارنا و رؤوسنا مطأطأة… وفارقنا بيوتنا القديمة التليدة والبلد التي شهدت مولدنا وكانت مراتع الطفولة والصبا ولنا كم هائل من الذكريات الجميلة خرجنا وهي متتشبثة بذواكرنا وقلوبنا تنزف ونحبس الدموع بالمآقي حسرة والماً

الانسان له ارتباط عميق بالبئية التي نشأ وترعرع بها وعندما يبعد عنها لاي سبب يتطلع لسماع خبر طيب عنها وهذا لم يحدث في السودان اطلاقاً خلال هذه الحرب وعقود قبلها وكل يوم نسمع من الاخبار ما تتقطع له القلوب عن الاحوال والنزيف مازال مستمراً….

وعندما ياتيك (خبر) ولا احسب انني بحاجة لتعريف (خبر) بالاضافة حتي يتبين القارئ نوع (الخبر) فكل الاخبار التي تاتي من هناك محزنة للغاية وعندما يرتبط الخبر بشخوص و اماكن لك بها ارتباط شخصي يكون الالم اقوي اما ان كان الخبر عمن ربطتك بهم ذكريات تكون الصدمة اقسي و آمر…ويصعب عليك ابتلاع ما تسمعه اما لو ارتبط الخبر (بالشلوخ) فهنا يتعمق حزنك فهي عندي (اي الشلوخ) ذات علاقة وطيدة ومحبة عميقة لارتباط اصحابها عندي بكل ما هو جميل و كل اهلي هم اهل الشلوخ المختلفة وشموخ الارواح المؤتلفة و رغم ان والدي رحمه الله وامي حفظها الله ورحمها من غير المشلخين الا ان كل عماتي مشلخات وكل خالاتي (بنات الشيخ) رحمهن الله مشلخات وخالتي اسماء حفظها الله ذات (مطارق) جميلة وقبلهن امي الحاجة واخواتها وامي عائشة رحمهن الله وبين كل هؤلاء عشت وترعرت وتعلمت وعشقت جمال حياة اهلنا الطيبين فسماع اي خبر عن رحيل (الشلوخ) وشخوصها يمثل عندي فقد الكثير فما بالك بمن تعرفهم وعشت بينهم طفولتك والصبا

سمعت البارحة بوفاة سيدتين جميلتين من ذوات الشلوخ والشموخ من الاهل والجيران بالعيلفون تربطني بهم كثير من ذكريات الطفولة كان خبر وفاة كل من *(التومة بت حلوم و بخيتة بت حسوبة)* قاسياً علي القلب فذكرياتي معهن تمتد الي حسوبة وطاهرة وحلوم وكل الشلوخ و الشموخ بارض ابونا ود الارباب التي جمعت كل قبائل السودان شرقها وغربها وجنوبها وشمالها بشلوخها…

اضغط هنا للإنضمام لمجموعات رام نيوز على الواتس اب

لا ادري من انتقلت الي ربها اولاً لكن احد الاخوان نقل لي وفاتهما سمعته منه علي التوالي في ذات اللحظة فطبق نظرية (دبل ليهو) الحربية الجديدة… لا حول ولا قوة الا بالله اكثر من اثني عشر شلخاً تسمع برحيلهم في لحظة واحدة وانا المغرم بالشلوخ ليس لذاتها لكن حياة الموسومين بها كانت حياة صبر وثبات ومحبة وكفاح يندر في زماننا هذا لذا تجدني المولع بتلك الحياة و تلك الشخصيات و تفاصيل حياة المشلخين والمشلخات

*التومة بت حلوم* هكذا عرفناه منسوبة لوالدتها لارتباطها بها بدرجة عالية فمنذ ان فتحنا اعيننا وجدنا التومة مع والدتها في ذات الدار التي توفت بها والدتها تلك الدار التي كانت تقف عليها التومة طوال حياتها ورفضت مغادرتها في هذه الحرب شاءت ارادة الله ان تموت بالحسرة بعيدا عنها وتدفن بدار (ماها هيلا) ٠٠٠ كانت رحمها الله عفوية تحب الناس ويحبونها لظرفها وحديثها الطيب ونشاطها مع السيدات في (الختة) وادارة الصناديق وقد عرفت بصدقها ودقتها وامانتها كانت تزورنا كثيرا بالبيت وكان ملعبنا (للضقل والكرة وام الصلص والبلي وحرينا وام الحفر وغيرها) جوار ببتهم وكنا نهاب والدتها حليمة وكانت التومة كثيراً ما تفكنا من قبضتها وترجع لنا الكرة عندما تقع بمنزلهم و التومة رحمها الله لها مع (امي الحاجة) طرف وحكايات رحمهن الله

اما *بخيتة بت حسوبة* رحمها الله فهي من ضمن حوش حسوبة الذي يشكل حرف *L* حول بيتنا وكان من ملاعب طفولتنا الجميلة بين اهله الكرام واساسه (طاهرة وحسوبة)رحمهما الله وهو بيت يضج بالحياة والجمال والاطفال كانوا اصحابنا في ملاعب الطفولة ولهوها بذلك الحوش كانت التاية رحمها الله وصلحة و ريا حفظهما الله وبخيتة والسر رحمهما الله وكل اولادهم و اسرهم تربينا معهم في تلك البيوت… في هذه الحرب رحل السر حسوبة ذاك الرجل الصلب الذي ظل مقاوماً كل الظروف التي مرت به ثم لحقت به الان بخيتة بت حسوبة نسال الله لهما الجنة.. اثناء خروجنا من العيلفون وانا علي الكرسي المتحرك قابلت الحاجة صلحة وهي علي الكرسي ايضاً اوقفت الكرسي قربها وسلمت عليها وهي تنظر اليّ فقلت لها وانا اتأمل شلوخها عرفتيني ؟؟ لم تجب فتساقطت دموعي وانا انظر اليها ثم تحركت محاولا اخفاء دموعي عنها وقلبي يتقطع علي ما آل اليه حالنا واكثر ما يؤلمني الان هو انني ربما لن اري شلوخ اهلي وشموخهم قريباً… تعازينا للعم علي الحبر وحبوري و مها وامير ولكل اهلنا ناس حسوبة في وفاة المرحومة بخيتة والمرحوم السر حسوبة

واحر التعازي للاخ بابكر وحيد امه التومة بت حلوم وحبيبها…وحمد واخوانه وال العوني وناس فريق وراء في فقدهم

يقولون ان الارواح المتحابة تلحق ببعضها في هذا العام واثناء هذا (العبث) وفي محيطنا الصغير جدا بالحي رحل عمر حمد ثم لحقت به اخته التومة ورحل السر حسوبة فلحقت به اخته بخيتة… انه امر مؤلم جداً نسال الله لهم الفردوس… والبقاء لله وحده… اما انا الحزين بكل عللي وامراضي وطالما اني فقدت الشموخ والشلوخ فاني ابحث عن وطن جديد لي و لاولادي اقضي به ما تبقي من عمري فقد كنت اعلم ان الشلوخ عادة الي زوال لكني لم اكن علي علم ان شموخنا كان كاذباً و راح …

ختاماً عفوا عزيزي القارئ انها حالة حزن خاصة لكن مثلها الان الكثير في انحاء السودان المختلفة وحالي يشبه احوالكم …. سلام

 

محمد طلب

اضغط هنا للإنضمام لمجموعات رام نيوز على الواتس اب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى